الجمعة، 6 يناير 2017

دراسات في التوراة [1]: الباغية اليهودية

لم يكن محض صدفة أن يحتوي التراث الأدبي والقصصي وحتى الشعبي العربي على قصة أو إشارة أو أثر إلى الباغيات اليهوديات، وأشهرها تلك القصة للباغية التي دخلت الجنة بسبب كلب سقته بأحد خفيها، كما لم تكن صدفة أن تكون هذه الباغية يهودية، بل كان التوكيد على ديانتها من تمام سرد القصة. كما أن ذلك لم يكن نكاية أو حقدا أو تشفيا، بل كان ذلك إنعكاساً للإرث الديني التوراتي الذي شاع في الأوساط العربية في شتى مجالات نشاطها. وكما غزت الروايات الإسرائيلية كتب الرواية وسيطرت قصص الأولين على كتب التاريخ عندنا، جاءت قصص من التراث الشعبي اليهودي إلى تراثنا كي تخبره عن فتنة النساء اليهوديات، ولا أقصد الغانيات منهن وبنات الهوى فقط، بل كل النساء اليهوديات.

نعم كل النساء يدخلن في دائرة الغواية والفساد بل في دائرة البغاء وذلك حسب المعتقد الديني التوراتي، فهن فاسدات مفسدات ما لم تضرب عليهن. لذا ضرب عليهن الخمار الأسود من قمة رأسهن إلى أخمص قدميهن وصرن تبعا للرجال وتحت وصايتهم، فقد احتوت أسفار العهد القديم على الكثير من التحقير والإهانة للمرأة الإسرائيلية واصفة إياها بأقذع الألفاظ.

وقد يصاب المرء بالدهشة والاستغراب من هذه الغلظة ومن هذا التحقير وكأن شآبيب نار جهنم ما خلقت إلا للمرأة. ولا أدعي أن هذه الدهشة والحيرة سوف تزول عندما يطلع القاريء للأسفار، بل سوف تزداد وتتعاظم عندما يعلم أن "البغاء المقدس" أو "النكاح السماوي" هو الذي أصّل وجذّر إلى النظرة الدونية والمنحطة للمرأة، وبالتالي هي نظرة دينية وتوراتية يتعبد المؤمن اليهودي بها الى "يهوه" و يتبع تعاليمه التي سطرها الكتاب المقدس.

 من كتاب العهد القديم تطالعنا قصة انحراف أشهر باغية "إسرائيل" مرت على تاريخ الشعب اليهودي، فقد تزوج يهوه (الإله) إسرائيل (شعب بني إسرائيل) وأضحى لها بعلا، هذا ما تقوله أسفار التلمود!، لكن إسرائيل هجرت يهوه وضاجعت كل بعل للجبل المصنوع من الحجر، هكذا صورت أسفار التلمود إنتكاص بني إسرائيل عن ديانة التوحيد وعبادتهم الأوثان، فاختلطت الأسطورة بالواقع وكان ضحيتها المرأة التي جسدت اسم الأنثى "إسرائيل".

صورة من صور (انصراف إسرائيل عن يهوه إلى بعل) صورة مرمزة للطقوس الدينية جاءت على شكل خيانة الزوجة (الأرض) للزوج (السماء) الرامزة إلى التنافر بين عقيدة التوحيد والوثنية، من خلالها تُصوّر تزاوج السماء بالأرض مجسدة بالوحي السماوي بعد "التجلي والرؤية و المكالمة"، صوّرت كلقاح الآلهة المقدس واستخلاصها لأهل الأرض برسالة التوحيد. كل ذلك متمثل ومرمّز بالزواج بين الإله والشعب عبر نبوة أنبياءه "النكاح"  الذي طفحت به كتب أساطير الشعوب والكتب السماوية القديمة.

يقول البعض إن هذا المعتقد هو من ترسبات المعتقدات الوثنية التي جاءت في فترات ضمور الديانات السماوية، وقد دخلت هذه المصطلحات في التراث الديني حتى غدت الميثولوجيا الدينية بما فيها الإسلامية لا تخلو منه،  فقد تمت قراءة التراث الديني السماوي بلغة أهل الأرض، فغالبا ما تكون مفردات ومصطلحات الكتب السماوية مركبة المعاني وبعضها مؤوّلة المعنى (كهنوتية) تفقد معانيها حال ترجمتها أو قراءتها من قبل غير أهلها أو من قبل غير المطلعين على علومها ولو كانوا من أهلها.

ومثال على هذا الزواج المقدس والطلاق، أو قل النشاز الحاصل من جهة "الزوجة"، ما ورد في  التلمود، الإصحاح الثالث من سفر أرميا حيث ورد في فقرات متعددة منه ما هو نصه:  

"هل رأيت ما فعلت العاصية إسرائيل ؟! انطلقت إلى كل جبل عال،،، وزنت هناك! فقلت: بعدما فعلت كل هذا، إرجعي إليّ فلم ترجع! فرأت أختها الخائنة يهوذا فرأيت أنه لأجل كل الأسباب إذا زنت العاصية إسرائيل، فطلقتُها وأعطيتُها كتاب طلاقها،،،.
لكن ارجعي إليّ يقول الرب! إرفعي عينيك إلى الهضاب وانظري أين لم تضاجعي؟ في الطرقات جلست لهم كأعرابي في البرية ونجست الأرض بزناك و بشرّك،،،، جبهة امرأة زانية كانت لك! أبيت أن تخجلي! ألست من الآن تدعينني يا أبي أليف صباي أنت؟،،،،،
لم تخف الخائنة يهوذا أختها بل مضت وزنت هي أيضا وكان من هوان زناها أنها نجست الأرض  وزنت مع الحجر ومع الشجر وفِي كل هذا أيضا لم ترجع إلى أختها الخائنة يهوذا بكل قلبها بل بالكذب يقول الرب!، فقال الرب لي: قد برّرت نفسها العاصية إسرائيل أكثر من الخائنة يهوذا، وحقًّا إنه كما تخون المرأة قرينها هكذا خنتموني يا بني إسرائيل، يقول الرب."

وليس مستغربا أن يأتي هذا النص المليء بالحسرة و بالغدر و بالذم بهذه اللغة المرمزة و المؤوّلة في عهد "النبي أرميا" الذي جاء بعد أشعياء (٧٧٤-٦٩٠ ق. م.) آخر الملوك الأنبياء في بني إسرائيل، بعد الانشقاق الذي به انفطرت الوحدة العبرية وانفصلت المملكة اليهودية في الجنوب إلى شمال (إسرائيل) و جنوب (يهوذا) بسبب ترك معتقدهم التوحيدي وأخذهم بالمعتقدات الوثنية للشعوب المحيطة بهم. و قد أوعز سبب ارتداد بني إسرائيل إلى خيانة الباغية إسرائيل زوجها الرب يهوه. من هنا تكرس معتقد أن الخطيئة (البغاء) متأصل في جسد المرأة، فقط لأن إسرائيل الأنثى مارست البغاء مع البعل (كل الرجال) وخانت زوجها.

لكن لماذا جاءت هذه الخيانة و هذا النشاز الذي تبعه طلاق في عهد النبي (القاضي أرميا).

في عهد أرميا حدث الخروج النهائي لبني إسرائيل عن ملة موسى عليه السلام وتمردهم وعدم اتباعهم للنظام وللقوانين وخروجهم على الدولة الحاكمة (الخيانة). وقد باءت كل محاولات أرميا في إرجاع النظام إلى مملكة بني إسرائيل بالفشل واستسلم لما كان يعرفه ويخشاه (الطلاق من الرب)!، أي الغزو البابلي القادم من الشمال (وليس من الشرق) على يد بخت نصر (البخيت "المحظوظ" من آل نزار) الذي قام بسبي "الباغية" شعب بني إسرائيل وردعهم عن التمادي في الجري وراء دين (بعل) غير دين يهوه. فجرهم إلى المنفى (نفي الباغية) حيث ظلوا في السبي (بعيدا عن مملكتهم) قرابة مائة عام إلى حين زوال مملكة بابل على يد الأخمينيين حكام الدولة الفارسية التي ابتعدت عن الديانة التوحيدية، وقامت باستغلال (الباغية) شعب إسرائيل بعد تحريرهم من المنفى من جديد، أن وزعتهم في أراضي كنعان (العرب من ولد إسماعيل).

 هكذا تم تجريم المرأة بجسدها حين تغلغلت الأفكار المغلوطة عند اليهود أولا ثم عند سائر الثقافات المتأثرة باليهودية التي جاورتهم عندما أسيء تأويل نص خيانة إسرائيل ويهوذا الرمزيّتين وأخذها بظاهرها، عبر مصطلحها الأنثوي.

رياض الشيخ باقر
2017/1/6

الثلاثاء، 29 ديسمبر 2015

وارث الحب

قال : أنظرني 
قال : إنا فضلناك على العالمين 
قال : أنا من نار وهو من طين
قال : انك لمن المنظرين الى يوم الدين
قال : كي تكتحل عيناي برؤياه 
عند صراطك المستقيم
قال : ألم أقل إني أعلم مالا تعلمون
قال : هم عبادك المخلصون
قال : وما رميت إذ رميت ولكني من رمى
قال : من أنت ومن هو
قال : أزينت بألوان من بني القوس
فتزخرفت و ربت و أنبتت
قال : ألهذا تعشقه
قال : ما خلقت خلقا إلا لهو
قال : لقد قطعت وريده
قال : حتى يكون القرب قربان
و تكون النفس روح و ريحان
قال : متى و أين
قال : أنظر
فنظر نظرة
فإذا هو بين النواويس و كربلاء 

قال : يا أبتي
أن تدع من الكافرين عليها سيضلوا عبادك 
قال : سأسقيهم ماء غدقا
قال : لا يَلِدُوا الا كافرا او فجارا
قال : أكتب
فكتب اسمه دساتر على لوح سفنه 
فطاف الخافقين محروسا 
تحفه ملائكة الرحمن تبركا بأسمه
حتى استوت على الجودي
على ارض الطفوف
حين انحسر الماء 
نظر نظرة
فأذا هو بين النواويس و كربلاء

فنزل الشيخ الوقور مجلجلا
حافيا باكيا فجثى
على ركبتيه يشم رحيقه
قال : ربي لا تدعني فردا
و انت احسن المحسنين
قال : انه ليس من ابنك انه عمل غير صالح
قال : دعني أراه
قال : لن تراني
ولكن إذا رأيت النهر دما فسوف تراني
فخر الشيخ صعقا
أستودع منها تربة ليشمها 
حين يشتد عليه الوجد 
فشد الرحيل و على العويل 
و نادى أنه أبني
وغادر فنظر نظرة
فأذا هو بين النواويس و كربلاء

قال : يا أبتي دعني أراك
قال : لن تراه 
ولكن خذ أربعة من الطير فصرهن اليك
و ارفع القواعد من البيت
سترى أسمه
ومن صاحب الحجر نسله
فخر الشيخ صعقا مما سمع 
قال : أولم تؤمن بعد
قال : بلى ولكن 
قلبي يطمئن لرؤية حسنه
فنظر نظرة 
فرأى الشيب مخضبة بالدما
فأذا هو بين النواويس و كربلاء

آه على إبراهيم بكاه و لم يراه
رؤية في المنام أفجعته فنادى 
قال : أنه أبني
انسلخ من نسل اسماعيل جسمه
على الخيول الأعوجية علمته
قال : أعلم ما لا تعلمون
قال : ما بال ناقة هزت العرش من أركانه
قال : اعلم ما لا تعلمون
قال : ما باله من أبيضت عيناه ولم يره 
قال : اعلم ما لا تعلمون
قال : فما بال نسوة فطعن أيديهن و لم يرينه
لم يرين حسنه
قال : طفت به البلدان و بلاد عدنان
قال : ما بال من ناداه في المِحْراب 
قال : آيتك ثلاثة ايام لا تكلم الناس
قال : يرثني و يرث كلمة من عندي

و ما ترنح و دم الرضيع في كفيه 
فما بال من رَءآه  و بكاه
ما بال قلب المصطفى و البتول
ما بال نسوة في الفلا 
ما بال سهام تطاريت لا تسبح الا على 
لا ترى للصلاة خشوعا
ولا وقعا 
ولا وقرا
إلا على وجنتيه
فنظر نظرة 
فأذا هو بين النواويس و كربلاء

قال : هو مني و أنا منه
قلنا: إذا جن عليك الليل فتهجد نصفه 
أو ثلثه  نافلة من الفجر 
حتى يلوح لك الشفق وتره
حينها سترى نوره 
سوف ترى على الرمح رأسه
عندها أنصت و استمع
لدعاء الشفتين المسبحتين العاشقتين
قال : هذا دعاء أنا علمته
قال : لا ابتغي للعلى غيره قربان
فنظر نظرة
فإذا محمد جالس القرفصاء عند القفا
يتظلل سدرة المنتهى
و البتول تتحسس ضلعها الذي قد قطع
و زينب من دمه تحني جدائل شعرها 
بين النواويس و كربلاء 

أما علي ذاك الفتى المغوار 
فقد جثى 
على ركبتيه و اخمد سيفه في كبد الفلا 
متكأ على مقبضه يناجي 
و يلتمس الرضا 
قائلا ألم أترك بن ود طمعا
و خوفا من طرفة شرك لاحت
قال : بلى
فقد رفعنا لك ذكرك و دنينا لك قربك 
فكان قربانك قربك
و أنزلناك على العرش
و كسونا العرش رحمة من دمائه

رياض الشيخ باقر
النجف الأشرف
2015/12/29

السبت، 17 أكتوبر 2015

أسكن يا آدم الجنة

عقِلتُ الجنّ حين عقلتُ 
و جُنّ العقلُ حين جُنّ
و تلبّس الجنُّ عقلي وتبلّس
في جنّته كنتُ من الأموات
حتّى علَقتُ
فتعقّلَتْ علَقَتي من الحب
في دهاليز الحب تهتُ
و تلاطمتْ أمواجي الدجى
فغرقتُ
غصتُ في بحر لجّه
و تبلّس الجنّ عقلي
فعطشتُ
جفّ الريق منّي فدنوتُ من شفتيه
علّني بالوصل أستسقي الغمام
وألعق الرحيق من ريقه
فانقطع النفس فثملتُ
ثملتُ فتدثرتُ رداء حبه
وصاح الديك
في غسق الدجى
و شعشع معه فجري
بعد ظلمات حمرة
كنتُ دهراً مدَّكّرا
أو كنتُ نسياً
ليتني في عالم الأشياء
لم أكن مذكورا
ليتَ نوني لم تسقي قلمي
وليتَ الحبر جفّ
قبل أن يسري في عروقي
كانت الباء بدء خطوتي
وفار التنور  فثارت أضلعي
فإذا البدء نهاية عشقي
وإذا التنور عين يقيني
ألواحُ فلكٍ هي أضلعي
وروحي شراعها
وبحرها من سيلِ فكري
فإذا ما غرقتُ في ظلمات الموج
فإني أتنفس الروح
عطراً يشدني إلى العشق

رياض الشيخ باقر
١٧/ أكتوبر ٢٠١٥

السبت، 2 مايو 2015

أهل الكهف و الحكواتي

عندما لاح النورُ بانٓ وجههُ
كان مختفياً وراء الستارة
وراء الحُجُب
لم يقل هل أحدثكم فهو
أجمل حكواتي
لأن الجميع يعلمُ أحداث المسرحية
فهم الممثلون و هو خلف الأستار
عجيبةٌ هي هذه الحكاية

بدأت المسرحية من حيث ما انتهت
فأسلوبه محيرٌ و مشوقٌ
من حيثُ ما ابتدأت البداية
شارفت القصة على الانتهاء
ولكن بشكل دموي و مأساوي
هكذا هي الحكاية
فالحكواتي قديرٌ على سبِك حكايته ،

يُشرق النورُ و يغيبُ عن المسرح
يتنقلُ بينٓ أركانهِ
يسطعُ في وجهِ هذا الممثل
و تارةً في وجهِ ذاك ...
ترى الممثلين فَتُصيبَُكَ الدهشة
تَحسبُهم أحياءٌ وَ هُم بينَ نِيامٌ و رقود .
على الرغم من تقلبهم ذات اليمين و ذات الشمال
لم يكن فيهم احدا يقظاً
غير كلبهم فقط ، نعم لم يكن منهم احد

الكل يسأل
من هو هذا الحكواتي
الذي كتب حكايته على اللوح
ما هي أقلامُه
ما هي نُونه
التي رقصنا بها على المسرح
لم يكن للمسرحية نص مكتوب
قال الممثلون :

نحن من كتبنا أحداث الرواية ،
كان فضاءُ المسرحِ جاهزًا لنا
وقد امتلء  بالمتفرجين
دخلنا فلبسنا قمصاننا ،
و اخذنا نعزف و نرقص و نكرر ما كتبنا ،
 ليس لكل منا دور محدد ...
 بل كنا كلنا نؤدي كل الأدوار
نعم كانت اشكالنا مختلفة ،
 و هيئتنا غير متشابهة ،
 ومع ذلك تشابهنا في الأدوار

الغريبُ في الأمر
أن كل من على المسرح ،
كان جالسا على المقاعد متفرجاً و شاهدًا!!!
هم هنا و هناك !!!!
و لم يكن غيرهم يشاهد المسرحية
كان الممثلون هم المتفرجون

و بدأنا نسألُ من جديد  !!
من هو هذا الذي خلف الخفاء. ؟؟؟

حينها قام كل من كان على المسرح
و على فتراتٍ
بخلع القميص ،
و كل من نزع القميص
اختفى  من على خشبة المسرح
اختفى ، لكن !!!
بقيت القمصان المهترئة !!!
 لقد رأيت قميصي و قد اهترأ أكثره ،
كانت القمصان المخلوعة كلها مهترأة

فتناقص الممثلون شيئاً فشيئاً ،
لم يبقى منهم الا رجلٌ و امرأة ،
الغريب أن شيئاً رهيباً قد حدث !!
الناس الجالسون على المقاعد !!
ظلوا يشاهدون المسرحية ،
ولم يكن هناك مسرحية
 لم يختفي منهم احد
 بالرغم من أنهم
 كانوا يلعبون أدوارهم على المسرح
وقد اختفوا حالما نزعوا قمصانهم
عجبا
لقد ظلوا  شهوداً على المسرحية

كنت جالساً على مقعدٍ مع المتفرجين، بصمت،
كان الصمت يتملكني
لأني همست لي،
 وأشرت لي،
 أن لا أقع في الأخطاء
وأنا أؤدي دوري
على المسرح أؤدي دوري أنا
يا للهول
أراه ولا يراني
أسمعه ولا يسمعني
إذاً  ما الفائدة، حتى لو صرخت

قلت في نفسي !!
لماذا اختفيت مع من اختفى !!؟؟؟
آهٍ
علمت عندما رأيت قميصي
فقد نزعته بعدما بلى
لماذا بقي هذا الرجل و هذه المرأة فقط !!؟؟
علمت فيما بعد
أن للرجل و للمرأة دور
في المسرحية التي بعدها
فالمسرحية يعاد عرضها مراتٍ عديدة
الى ما لا نهاية
لأنها بدأت من النهاية
يتغير الممثلون
وكل مرة يبقى رجل و امرأة
كي يجمعوا الممثلين ،
 فتبدأ المسرحية من جديد
و يرحلون

و بقيت مع كل الباقىن
على المقاعد شهوداً على مسرحية انتهت
لكنني ظننت ، أو خيل لي
أن فصولها لم تنتهي بعد
وهي قد انتهت منذ البداية
آهٍ !!! كنا نرى أمداً ، لم يُرَى
حاولنا أن نغادر مقاعدنا ،
 فلماذا نبقى شهودا ً،
 و نحن لسنا على المسرح

قيل :  لنا لن تغادروا ، و لن ترحلوا
قلنا: لماذا
قيل لنا : حكمة من هو يملك الأسرار
قلنا : و ما الحكمة في شهودنا
قيل لنا : تقرأون ما تكتبون على ما أديتم    
           فأنتم شهودٌ على الأداء
قلنا : على أدائنا ، لم نكن نعلم  !!!
قيل لنا : إذاً من كتب الرواية ؟؟؟

من وراء الحُجُبِ أتى الأمر
يا للصاعقة
و بَرَزَ السؤالُ من جديد
من هو هذا الذي خلف الأنوار !!!
خلف الأسرار!!!
لا نرغب أن نكتب أي شيء
فأداؤنا على المسرح كان سيئاً

كتبنا و لكن ليس بارادتنا
فقد كانت أصابعنا هي أقلامنا
و كانت الأوراق من جلدنا
قد تسألني
هل غششنا ؟
هل كذبنا فيما كتبنا ؟
اقول لك
كيف أنى  لنا ذلك
فقد جرى الدم من عروقنا حبراً أحمر
نفذ من أصابعنا ،
 فنفث بكل ما جرى على المسرح

أصابنا الهلع
قال : لا تثريبَ الْيَوْمَ  عليكم
فهدأت أرواحنا
آه ، ليتني !!!
أعرف من هو هذ الذي خلف العماء !!

كم كتبنا
و كم أخذ الوقت منا
المسرحية كانت طويلةٌ طويلة ....
أحداثها جسام و تفاصيلها مملة
ولكن
كم استغرق الوقت لإكمال صفحاتنا
نعم ، الوقت !!!!!
وما الوقت ، إلا الذي
استغرق كي يرتد إليك طرفك !!

هالنا ما نحن فيه !!
عندما اكتملت أوراقنا ظهر الممثلون
من جديد ، بعد أن اختفوا ،
 ظهروا !!!
فظهرنا ، لإننا لم نختفي ، فتقابلنا
هذه المرة كان يراني ...
كان يسمعني ...
لم اعتب عليه ...
لأنه ، أنا

قلت في نفسي ، لماذا هذه الأغلاط الكثيرة
لماذا تكررها
العجيب أنه سمع ما في نفسي
و تبسم
قال : لقد مَدٓ الظل و كثر الفيء
       فسدرة المنتهى وافرة الرحمة
قلت: من كتب السيناريو ؟
قال: هو و أنا و أنت ...
قلت: من دلك على أدائك الحسن ؟
قال: هو ...
قلت: كيف و هو لم يكتب لك ..
قال: دلني عليه حبه ..
قلت: من أوقعك في أغلاطك ؟
قال: أنا ..
قلت: لماذا و كيف ؟
قال: طمعتُ و ابتعدتُ عنه فهجرتهُ ..
قلت: طمعتَ في ماذا...
قال: هل من مزيد...
قلت: المزيد في ماذا...
قال: ألم تسمع نار حبه تنادي ...
قلت: تنادي بماذا ، و لمن ...
قال: تنادي هل من مزيد ...
قلت: نار حبه أم جنة عشقه ...
قال: نحن نساق زمراً...
قلت: و هؤلاء..
قال: يزفونَ إلى الجنة جماعات...
قلت: و أنت و أنا..
قال: في صَفحِه ،  في حُبِه ...
قلت: وأنت تكرر الأخطاء، يالك من
       متجبرٍ متغطرسٍ ...
قال: ما رجائي بك ، ما أنت من أطلب
       أنا أطلب منه لا منك ..
قلت: كيف و أنت هجرته..
قال: رجعت إليه فأنا أعشقه..
قلت: وإذا..
قال: هو يعشقني...

عندها
سَكَتُ
فقد تملكني حبه
و تَبَسَمتُ
لآني عرفت من هذا الذي خلف العماء
يومها
أزاح عني الحجب من هو خلفها
فنظرتُ
فإذا الرحمةُ ، فإذا الحب
فَضَمني
بسلامٍ ضَمني و ألحقني
في عِشقِهِ دَثَرَني ...


رياض الشيخ باقر

الاثنين، 27 أبريل 2015

قواعد العشق الأربعون: الحلقة الثامنة عشرة

مدينة قونية ١٢٤٤ م


غمر ابن الرومي شعوراً أنه وشمس التبريزي الوحيدين الباقيين على وجه الأرض التي انبسطت لهما الأطوار السبعة التي على طلاب الحقيقة أن يسلكوها، أو سمّها المقامات السبعة كي تبلغ روح الطالب مقام الوحدانية وهي:
١- الطور الأول: النفس الأمارة بالسوء، وهو أشد الأطوار بدائية حيث تقع فيه الروح في شرك المطامع الدنيوية
٢- الطور الثاني: جهاد النفس حتى تصل لمقام النفس اللوامة، بداية الرحلة نحو النقاء الداخلي
٣- الطور الثالث: النفس الملهمة، معرفة المعنى الحقيقي لكلمة "الخضوع"
٤- الطور الرابع: النفس المطمئنة ، الدخول في وادي الحكمة وتتملك النفس صفات الكرم والرضا والعرفان
٥- النفس الراضية: الإنتقال إلى وادي الوحدة ، فتشعر النفس بالرضا المطلق
٦- النفس المرضية: يصبح المرء مشكاة للإنسانية، يعلم النور
٧- النفس النقية: حيث يصبح المرء هو "الإنسان الكامل"

يسهل تلخيص أطوار بلوغ الطريق ويصعب اجتيازها، فاحتمال السقوط من طور إلى طور والرجوع إلى القهقرى دائم، فالطريق ليس مستقيما والأفخاخ منصوبة على جانبيه.

كان شمس يريد أن يعرف مدى استعداد ابن الرومي للمضي في محو شخصيته كي يذوب في الله.

- ماذا عنك أيها الخطيب العظيم: فمن بين الأطوار السبعة، في أي طور أنت الآن؟ وهل تظن أن لديك الشجاعة للمضي حتى النهاية؟ قل لي ما هو حجم كوبك؟
- باطن الله، يا وجه الله المخفي، افتح لي عقلي حتى يمكنني أن أرى الحقيقة

كان الناس كثيرا ما يثرثرون حول زوجة ابن الرومي المسيحية "كيرا"، هل ستعتنق الإسلام؟ وإن اعتنقته فهل ستصبح واحدة منهم؟ هل على عالم مرموق أن يقترن بامرأة لا تنتمي لدينه؟ في نفس الوقت كانت كيرا تتسائل:

إن الأناضول مزيج من الأديان والشعوب يتناولون نفس الطعام ويغنون نفس الأغاني ويؤمنون بنفس الخرافات. أطفال مسلمون ترضعهم أمهات مسيحيات، لم لا يكونوا قادرين على العيش معا؟ كلمات يؤدونها لا أفهمها ويصعب استيعابها. العلماء المسلمون ينتقدون الدين المسيحي لأنه يؤمن بالثالوث المقدس، والقساوسة المسيحيين ينتقدون المسلمين لأنهم يعتبرون القران كتاب كامل ، لا يصعب علي تصديق فكرة أن المسيح ليس ابن الله بل عبده. آه لقد ازدادت وحدتي منذ أن سكن شمس في بيتنا، فقد تحول زوجي إلى رجل مختلف.

وتمر أوقاتا أرغب فيها بالتمرد لأنني خلقت امرأة، فلا أحد يعطي النساء كتبا حتى لا تفتح عيونهن. كنت أتسلل فأجلس وسط الكتب وأتساءل ما هي الألغاز التي تخفيها في داخلها. دخلت المكتبة يوما ورحت اقرأ كتاب "إحياء علوم الدين" للغزالي. فقال لي زوجي عندما رآني ماذا تفعلين؟ لا تلمسي كتبي مرة أخرى، بل أفضل أن لا تدخلي مكتبتي على الإطلاق.

في أحد الأيام مر ناسك بقرية من قرى جبال طوروس، فأصابه التعب فقام أحد مزارعي القرية باستضافته. وبينما كان يروي قصة، سمعتها ابنة المزارع فاغمي عليها.
- إن ابنتك "كيمياء" طفلة موهوبة، يجب أن ترسلها إلى المدرسة
- ما الفائدة إذا تعلمت الفتاة
- يجب أن تبقى بجانبي وتساعدني في حياكة السجاد حتى تتزوج، فهي حائكة رائعة... قالت زوجة المزارع
- قد تصبح عالمة معروفة ذات يوم، إن الله لا يكره ابنتك لأنها فتاة
- ان البنات لا يحتجن إلى كتب، بل يحتجن إلى تعلم الأعمال المنزلية ورعاية الأطفال
اقتنع المزارع بقول الناسك وأخذ ابنته إلى قونية حيث يوجد بها عالم مشهور يقال له ابن الرومي
- يشرفني يا مولاي أن أدرس القرآن على يديك، وأنا مستعدة للإجتهاد في الدراسة
- هذا رائع ، لكنك فتاة
هكذا وصلت إلى بيت الرومي، أمضيت ثمان سنوات سعيدة حتى مجيء شمس التبريزي الذي غير وجوده كل شيء

أخوكم
رياض الشيخ باقر

الأحد، 26 أبريل 2015

قواعد العشق الأربعون: الحلقة السابعة عشرة

مدينة قونية ١٢٤٤ م


- نستطيع أن نبحث عن الله وأن نجده في عظمة وروعة الكون الذي خلقه على صورته أينما استدرنا، لكن البشر نادرا ما يفعلون...
قال شمس ذلك وهو يتذكر الشحاذ والبغي والسكران.
- أناس عاديون أمراضهم مشتركة محورها الانفصام عن الواحد الأحد، هؤلاء لا يراهم العلماء الذين يجلسون في أبراجهم العاجية
وأخذ شمس يتسائل، هل الرومي يختلف عنهم.

تذكر حكاية مفادها، أن درويشا جوالا وصل لقرية أهلها لا يحبون الغرباء، فصاحوا به:
- اخرج !! فلا أحد هنا يعرفك
- نعم لكني أعرف نفسي ، صدقوني ، فمن يعرف نفسه ، يعرف الواحد الأحد
وتذكر قاعدة اخرى تقول :

"ما الحياة إلا دين مؤقت، وما هذا العالم إلا تقليد هزيل للحقيقة، والأطفال فقط هم الذين يخلطون بين اللعبة والشيء الحقيقي ومع ذلك فإما أن يفتتن البشر باللعبة، أو يكسرونها بإزدراء ويرمونها جانبا، في هذه الحياة تجنب التطرف بجميع أنواعه، لأنه سيحطم اتزانك الداخلي"

و قال في نفسه
- قلة قليلة تهتم بالنباتات ذات الأشواك، بالرغم أنه يمكن صنع أدوية عظيمة منها. ألا ينطبق ذلك على حديقة العشق؟ كيف يكون العشق جديرا باسمه ما لم يختر المرء منه إلا الأشياء الجميلة ويترك الأشياء الصعبة؟ فالتحدي الحقيقي هو أن يختار المرء الأشياء الجيدة والسيئة معا. لا لأنه يجب أن يتقبل الأشياء لحلوها ومرها، بل لأنه يجب أن يتجاوز هذه الأوصاف و يتقبل الحب برمته.

اجتاز ابن الرمي الطريق على حصانه الأبيض الذي علق على رقبته أجراسا كي يسمع الناس رنينها و لا يسدوا الطريق كي يتمكن من السير بسرعة أكبر. بين بيوت متداعية وباعة اختلط ندائهم مع بكاء الأطفال وأنات المرضى والفقراء والشحاذين، يطلبون منه أن يباركهم  أو يدعو لهم. بل كان البعض يتجاوز طلب النقود إلى طلب الشفاء أو رقية من عمل شرير صنع له كأنهم لم يروا أن لا مقدور لنبي أو ولي أو حكيم الإتيان بمعجزة من هذا الإتيان بهذا.

عندما اقترب الرومي من خان السكر، ظهر له ولياً جوالا يشق صفوف الناس متوجها اليه. وقف في منتصف الطريق رافعا ذراعيه عاليا، و كأنه لم يكن يريد أن يوقف موكب الرومي، بل يوقف تدفق الزمن كذلك. و قرب من الرومي ومسح على رأس ورقبة الحصان الجافل فهدأت روعته، ثم نظر إلى الرومي و قال:
- جئت هنا لأسئلك سؤالا لو سمحت
- تفضل
- عليك أولا ان تترجل عن حصانك كي نكون على سوية واحدة
فترجل ابن الرومي عن حصانه ، حينها دار الدرويش ظهره وسار مبتعدا
- يا صاح انتظر! أريد ان اسمع سؤالك
- حسنا قل لي أرجوك، من هو الأعظم برأيك، النبي محمد أم الصوفي أبو يزيد البسطامي
- ما هذا السؤال؟ كيف يمكنك أن تقارن بين نبينا العظيم عليه الصلاة والسلام، خاتم الأنبياء والمرسلين و بين صوفي سيء السمعة؟
- أفلم يقل النبي: يا رب أغفر لي عجزي عن معرفتك حق المعرفة، في حين البسطامي قال : طوبى لي فأنا أحمل الله داخل عبائتي؟ فإذا كان هناك رجل يشعر بأنه صغير بالنسبة لله بينما يدعي رجل آخر بأنه يحمل الله في داخله، فأيهما اعظم؟
لم يكن السؤال كما يبدو غريبا، بل إن تحته لغزا مثيرا لا يُحل إلا كشفا للحجب
- أرى ما تحاول أن تقوله، سأقارن بين القولين، مع قول البسطامي يبدو أعلى لكن سأخبرك لماذا أن العكس هو الصحيح
- كلي آذان صاغية
- إن حب الله محيط لا نهاية له، كل منا ينهل من الماء بقدره، وهذا يعتمد على حجم الكوب الذي نحمله. كان وعاء البسطامي صغيرا، فروى الماء القليل ضمأه  فسعد به ولم يتمكن من التمييز بين الله و بين وحدة النفس. أما نبينا فقد اختاره الله لأنه يحمل كوبا أكبر بكثير لكي يملأه، لذلك سأله الله في القرآن: ألم نشرح لك صدرك، فكان كوبه ضخما. وكان الماء المتدفق عليه عطشا على عطش، فقد روي و لم يرتوي.

نحنى شمس واضعا يده على صدره لابن الرومي، فما كان من ابن الرومي إلا أن انحى له، وقفا هكذا والناس في دهشة فهم لم يروا ابن الرومي ينحني لأحد من قبل، ما بالك لدرويش، مما جعل شمس يفضل أن يغادر، ثم التفت وقال:
- وماذا عن كوبك أنت ايها الخطيب العظيم؟ ما حجمه؟
سارع ابن الرومي إلى الدرويش محدقا في عينيه، ثم أدرك أن الدرويش الذي أمامه ما هو إلا ذاك الرجل الذي كان يأتيه في أحلامه وعرف أنه وجد رفيقه. فلم  ينحني الرومي من قبل إلا للملك أو للصدر الأعظم فمن هو هذ الدرويش الذي وجد نفسه منحنيا له؟

كانا يكتفيان بتناول قطعة من الخبز في الصباح وكوب حليب الماعز في المساء. لم يغادرا المكتبة طوال أسبوعين، مما خلق ذعر عند أولاد الرومي. فقد أزعجهما أن يقوم أبيهم بالانحناء إلى درويش في طريق عام وأمام الناس. والآن هذا الدرويش يسكن في بيتهم ويأخذ أباهم بعيدا عنهم، ولم يخرجا من المكتبة إلا بعد مرور أربعين يوما.

أخوكم
رياض الشيخ باقر

السبت، 25 أبريل 2015

قواعد العشق الأربعون: الحلقة السادسة عشرة

مدينة قونية ١٢٤٤ م

- من أين أتيت ،، و إلى أين أنت ذاهب... قال الحارس الليلي لسليمان السكران
- هذه أسئلة عميقة يا بني ، فلو كنت أعرف الأجوبة لحللت لغز سبب وجودنا في هذا العالم
- أتسخر مني، لعل ذلك يعلمك كيف تتصرف بأدب، ألا تعلم أن شرب الخمر من الكبائر... قال الحارس ذلك وهو يهوي بشدة بسوطة على صدر سليمان
- لو كانت الجنة مخصصة لأمثالك، لفضلت أن أحترق في نار جهنم...
وراح سليمان يغني مع كل ضربة سوط:
       قبليني يا حبيبتي ،                قشري قلبي حتى الصميم
       شفتاك حلوتان بحلاوة           نبيذ الكرز فصبي لي المزيد
بعدها فقد الزمن وطأته على سليمان، و كذلك كل شيء آخر، و توارى القمر وراء الغيوم..
- لم يتركني نوره فحسب بل، تركني وأنا لا أعرف من أنا، رحت أتخبط في بحر النسيان بين الحياة والموت، لم أعبأ إلى أين سينتهي بي الأمر
- يكفي يا بيبرس توقف
- إنك شخص مريض ، لا تلم إلا نفسك على ما فعلته بك...
قال ذلك بيبرس واختفى مع الحارس الآخر بعيدا في الظلمة. ظل سليمان يئن من جراحه، رأسه يترنح وتبول في سرواله، عندما كان يدعو الله، سمع خطوات شخص يقترب منه، لم يعد يخاف لأن لا شيء يخسره، جثا رجل بجانبه وساعده على النهوض
- إنك تنزف دما ،،. ليس من الخارج فقط بل من الداخل... قال شمس، وأخرج قارورة فضية وقال:
- إدهن جروحك بهذا المرهم، إن الجرح في داخلك أعمق وهو ما يجب ان تقلق منه، إنه سيذكرك بأنك تحمل الله في داخلك
- لقد ضربني الحارس بالسوط قال أني أستحق ذلك
- لا يحق لأحد أن يفعل ذلك فكل واحد يبحث في ذاته عن الله، هناك قاعدة تقول:

"لقد خلقنا جميعا على صورته ومع ذلك فإننا جميعا مخلوقات مختلفة ومميزة، لا يوجد شخصان متشابهان، ولا يخفق قلبان لهما الإيقاع ذاته، ولو أراد الله أن نكون متشابهين لخلقنا متشابهين. لذلك، فإن عدم احترام الإختلافات وفرض الأفكار على الآخرين يعني عدم احترام النظام المقدس الذي أرساه الله."

- لكن أليس لديكم أنتم الصوفيون شكوك حوله
- نعم إن الشك شيء جيد فهو يعني أنك حي ترزق ودائم البحث. كما أن المرء لا يصبح مؤمنا بين ليلة وضحاها، إذ يخيل إلى المرء أنه مؤمن ثم يحدث شيء في حياته فيصبح ملحداً، ثم يعود ويؤمن ثانية وهكذا دواليك حتى يزداد قربا من الحقيقة
- ماذا عن ورود الخمر في أشعار الصوفيين  فهل النبيذ الذي تمدحونه حقيقي أم مجازي؟
- هناك قاعدة تفسر ذلك تقول:

"عندما يدخل عاشق حقيقي لله إلى حانة فإنها تصبح غرفة صلاته، لكن عندما يدخل شارب الخمر إلى نفس الغرفة، فإنها تصبح خمارته، ففي كل شيء نفعله قلوبنا هي المهمة لا مظاهرنا الخارجية، فالصوفيون لا يحكمون على الآخرين من مظهرهم أو من هم، وعندما يحدق صوفي في شخص ما، فإنه يغمض عينيه و يفتح عينا ثالثة، العين التي ترى العالم الداخلي."

- في تلك اللحظة عرفت أن الله موجود وأنه يحبني... قال سليمان

كان للحارس بيبرس عماً معلما في مدرسة قونية متعصبا مثله، أمور كثيرة عنده يجب محاربتها، فقد انتشر الفساد والفسق والفجور، وهذا ما يزعجه و يقلقه، لأن الناس عنده  لم يعودوا يتمسكون بأهداب الدين ولا يعتصمون بحبل الله، وبسبب ذلك أرسل الله المغول عقابا لهم، و لو لم يأتِ بالمغول لوقع زلزال أو حلت مجاعة أو فيضان وفي يوم قريب سيزول جميع البشر من الوجود و نقتفي آثار قوم سدوم و عمورة.

كان دائماً ما يردد القلق المعشعش في صدره و يقول:
- كيف يجرؤ هؤلاء الصوفيون على تسمية أنفسهم مسلمين وهم يرددون أشياء لا تمت إلى الاسلام بصلة؟ يدعون أن محمد ص قال عدنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، لمجاهدة النفس، بل يذهب هؤلاء بأن الشريعة مجرد مرحلة في الطريق، ويعتبرون القرآن الكريم مليء بالرموز الغامضة والتلميحات المتعددة الطبقات، يبحثون عن الإشارات والمراجع الخفية في النص، بل يدعون أن البشر هم القرآن الناطق نفسه، إنهم أسوأ خلق الله. أما الفلاسفة فهم ليسوا بأفضل حال من الصوفيين، فهم يفكرون وكأن عقولهم المحدودة تستطيع أن تدرك غموض الكون، أفلا يدركون أننا معشر البشر لا ينتظر منا أن نعرف أكثر مما ينبغي لنا ان نعرفه؟ فلا تكمن مهمتنا في تفسير تعاليم الله، بل في إطاعتها والعمل بها.

أخوكم
رياض الشيخ باقر