الاثنين، 30 مارس 2015

سلسلة حلقات قواعد العشق الأربعون: الحلقة الأولى

كتاب : قواعد العشق الأربعون - رواية


المؤلف :
إليف شافاق
كاتبة و رؤائية تركية ولدت في ستراسبورج بفرنسا و حازت على عدة جوائز أدبية و تعد روايتها قواعد العشق الأربعون من اكثر الروايات قراءة في العالم فقد بيع منها أكثر من (٦٠٠،٠٠٠ ) ستمائة الف نسخة  و ترجمت الى اكثر من ثلاثين لغة و منحت بموجبها وسام فارس التميز الفخري للفنون و الآداب.

تمتاز الكاتبة بقدرتها على الكتابة باللغة الإنجليزية بجانب لغتها الأم التركية وامتازات ثقافتها بمزيج من التقاليد الغربية والشرقية وغوصها في مواضيع مهمة، فهي تحكي عن النساء والأقليات والمهاجرات والثقافات الفرعية والشباب والشخصيات العالمية الانسانية وإلماما بقضايا التاريخ والفلسفة والتصوف والثقافة الشفوية والسياسات الثقافية.

روايتها هذه تتناول العشق الإلهي والحب وواقع الأحداث بين الشرق والغرب في الماضي والحاضر عبر ما هو دنيوي وما هو روحاني كل ذلك من خلال قصة الشاعرالعرفاني المتصوف جلال الدين الرومي المشهور في التاريخ الإسلامي وشمس التبريزي الدرويش المجهول الواقعة أحداثها في القرن الثالث عشر الميلادي / السادس الهجري.

أما المترجم السيد/ خالد الجبيلي الحائز على إجازة في اللغة الانجليزية من جامعة حلب بسوريا ومن معهد اللغوين في لندن والمترجم في الأمم المتحدة في نيويورك فقد أجاد ترجمة الرواية إجادة يشكر عليها حتى يخيل إليك أنها كتبت باللغة العربية وليست مترجمة.

تستفتح الكاتبة روايتها بقول :

" عندما كنت طفلا ،
رأيت الله ،
رأيت ملائكته
رأيت أسرار العالمين العلوي و السفلي، ظننت أن جميع الرجال رأوا ما رأيته، لكنني سرعان ما أدركت انهم لم يروا ،،،،،"

( شمس التبريزي )

اتبعت الكاتبة أسلوبا فريدا في عرض أحداث روايتها ، تبرز الكاتبة لشخوص روايتها صفحات منفصلة حيث تتحدث كل شخصية عن نفسها وعن الأحداث التي عاشتها وانطباعها عن تلك الأحداث كي تكشف مقدار وجود الله في قلب كل شخصية منفردة ومستقلة عن الاخرى كي نرى الله الواحد الأحد في قلوب الكثرة المتعددة الصور، التي قد لا تعكس صورتها الظاهرية حقيقة وجود الله في قلبها.

وقد أجادت الكاتبة في تعدد الصور كما أجادت سبر أغوار القلوب كي تكتشف وجود الله فيها.

و لنا مسيرة سنتناول فيها لقواعد العشق الأربعون عبر حلقات عدة لاستكشاف ما كشفته الكاتبة من أسرار ومعارف عبر نظرة ثاقبة لصور شخوص روايتها و من خلال فتح القلوب التي اتخذها الله عرشا له ، و ذلك عبر قراءة مختصرة لما تناولته الرواية من  الحكمة و المعرفة التي تناولتها (٥١٠) صفحة هي عدد صفحات هذه الرواية الشيقة.

أخوكم
رياض الشيخ باقر

السبت، 21 مارس 2015

في الذكرى الثانية لرحيل العلامة الدكتور الشيخ الفضلي رضوان الله عليه

أبو تراب

في تراثنا أن أبا تراب هو الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام وفي واقع حياتنا المعاصرة فإن الجدير بهذا اللقب هو فضيلة الشيخ عبدالهادي الفضلي رضوان الله عليه.

تعرفت عليه من خلال زياراته القليلة الخاطفة إلى والدي المرحوم الشيخ باقر. سمعت منه عنه، ما جلّل الرجل عندي وأكبر من مقامه. ولكن لحداثة سني وقلّة فراستي ذاك الوقت فقد أسأت تقدير ما قاله الوالد بحقه، لما للرجل من تواضع وحبّ وتكريم لوالدي جعله ساكتا. فقد جاء بلباسه البسيط وكان معظم وقته مستمعا قليل الكلام كثير الابتسامة و لم يفصح عن أي عبقرية أو علم وصفه به والدي. و بعد خروجه أخذ والدي يكلّمني عن الشيخ وعقلي مذهول بما أسمع، فلم أخبر إطلاقا أنّ والدي يغالي في أحد، لذا وقعت في حيرة سببها ما أسمع وما أرى. وقتها تكوّن الاعجاب بالشيخ فقد كانت أمنيتي أن أرى الرجال القدوة من بلدي فجاء رجل يضيف لأمنياتي اسما بعد اسم أبي، فللشيخ الفضلي باع في التجديد والتأليف والأدب والثقافة والعمل الحركي والسياسي، ومنذ ذلك الوقت وأنا أسأل نفسي لماذا خبأ الفضلي ذلك كله تحت عباءته و لم يخبر به أحد ما عدا من رافقه في رحلاته الفكرية والحركية.

دارت الأيام ورجع الشيخ من رحلة إلقاء دروسه بجامعة الملك عبدالعزيز بجدة إلى الدمام وسكنت أنا الدمام، والتقيت بالشيخ في فترات متقطعة وهو كما هو، ذاك الرجل الترابي القليل الكلام إلى أن حانت ساعة رحيل أبي إلى الرفيق الأعلى، وتاهت أسئلتي الوجودية  والعقدية وأسئلة الهوية من جديد، فطرقت بابه وقبلت رأسه بعد عناء.

لقد كانت قبلة ابن لأبيه. ابن فقد والده ووجد من يتبناه ويعطيه رفق الأبوة وصحبتها. وكان الشيخ الفضلي نعم الأب ونعم الرفيق الرقيق الحاني، لا يغضب ولا يزمجر، بل ولا يرفع صوته، كأنه هو الذي في حضرتك ولست أنت من في حضرته، يبتسم مترفقا لك في خلافه وإن استدعى أن يؤكد على خلافه فيكتفي بهز رأسه ويكرّر الابتسامة إلى حين سكوتك فيبدأ في الكلام. تقاطعه ولا يقاطعك تستنكر عليه قوله ولا يستنكر عليك، بل يحلم عليك وكأن لو ودّ أن يأخذك بين ذراعيه ويقبلك، لا لشيء إلا لأنك تتحير في ذات الله، وما أجملها من حيرة عنده  فهي العبادة والسياحة. أما فيما يخص مقاصد القرآن فهي المقدمة عنده في فهمه للدين و في كرامة الإنسان وعلو مقامه عند خالقه لذا صاغ فكره المتجدد على ضوئها فأنارت صفحات مؤلفاته سنين مظلمة وجدّدت كلماته أوراقا عتيقة اصفرت بما حملته من جهالات و ما تراكم عليها من غبار.

أبو تراب الفضلي،

مجلسه البسيط ذو الأثاث المتهالك، عظيم وجليل بقدر جلالة من جلس عليه. كرسي غُطّي بقماش أبيض ليستر ما بلي منه من قدمه ووضعت عليه وسادة كي تليّن مقعده الخشن. كان هذا الكرسي مقعده المفضل، وتحيط به مقاعد للزوار عساها لا تغضبهم لما فيها من بساطة، وأظن أنها لا تفعل لأن من يحضر لا ينتبه ولا ينشغل باله فيها فهو مأخوذ بعظمة الشيخ وفكره وسماحته وبساطته التي أضفت على بساطة المجلس جمالاً ووقاراً وفكراً وعلماً.

نعم هذا هو الشيخ الفضلي وهذا هو مجلسه.

تجلس بين يديه وهو الذي يحني رأسه وعيناه تمخر الأرض تواضعا لمن شرّفه بالمجيء عنده، كما هي الشجرة المثقلة بالثمر انحنت أغصانها ودنت إلى الأرض  كي تعطيك من ثمرها.

نأتيه طلبا للعلم فيعطينا درسا في الأخلاق أولا.

لا بطريقة النصح بل بنموذج تحلّى هو به، ثم في التحنّن و الترفّق في طلب العلم، فلا يدّعي الإدراك و اليقين كلّه، متأسّيا بإمامه الصادق عليه السلام "عدم الإدراك إدراك"، فلا يغضب إن خالفته رأيه وهو المتخصّص فيه وأنت طالبه، بل يشاطرك رأيك و يبحث في أسبابه و حججه إلى حين يكتمل الزاد فترى نفسك تحمل زاده وتترك ما في جعبتك. أما إذا كان زادك من رزق الله الذي أنعم به عليك، فالشيخ سبّاق أن يجعله نورا ساطعا باسطا كفيه بما تحمل من لآلىء وفضه كي تتزوّد منها وتقوّم ما اعوجّ أو يجعل لك نهجا و سراطا تستقيم به فتصل به إلى غايتك.

في نظرية الحكم في الإسلام له السبق، وفي المنهج الأكاديمي له باع، وفي التجديد له حركة، وفي الفكر والطرح التنظيمي له تنظير، و في الجهاد له أخوة.

لم يشتاق لشهرة ولم يسعَ لها بل هي اشتاقت وسعت له فمن تواضع لله رفعه، ولم يطلب مجدا فهو المجد فبيته عامر بذكر الله، ولم يطلب زادا فهو التقي الورع. كرّمناه بعد رحيله، وهو لا يطمح لذلك بل كان يقول هلموا إلي وأريحوني من علم أريد بذله قربة إلى الله. وكره ولائم الموائد وعشق مجالس الدرس ومقاعدها. كم هو ذاك الفضلي كريماً، وكم كنا نحن البخلاء. كم كان رقيقا وكم كنا ننطوي على فظاظة وغلاظة حرمتنا الاستفادة من وجوده حيّا بيننا.

رياض الشيخ باقر
٢٠١٥/٣/٢١

الثلاثاء، 17 مارس 2015

العلامة الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

 محمد بن احمد بن عبدالله الطائي الحاتمي  الأندلسي المكي الدمشقي ( ٥٦٠هـ /١١٦٥م ٦٣٨هـ / ١٢٤٠م )

يقول ابن العربي عن العلوم التي اكتسبها: 

" خصصت بعلم ما لم يخص مثله     سواي من الرحمن والعرش والكرسي

أشهدت من علم الغيوب عجائبا        تصان عن التذكار في عالم الحس

علوم لنا في عالم الكون قد سرت       من المغرب الى طلع الشمس

فيــــا عجــــبا اروح واغتدي         غريبا وحيدا في الوجود بلا جنس "
( ديوان ابن العربي )


لقد حاول كثير ممن جاؤوا من الصحراء  سبر أغوار علوم الشيخ الأكبر ابن العربي، و ابن العربي الذي استوطن الوادي المقدس طوى بعد ان خلع نعليه، أنس نار ربه فاستضاء بنورها، وهو محيط لا قعر له. فليس كل من يجيد السباحة يجيد الغوص، و لا كل الغواصين يتقنون جمع اللؤلؤ والمرجان من المحيط ، فبعضهم يخرج بعظام نخرة وأخال الكثير ممن حاولوا الغوص في محيطه جاؤوا له دون عدته، فهم على سبخة خلجان وابن العربي قد أبحر من مرفأ ليخوض محيط بلا شطآن ، يغوص في بحر بلا قعر ، فامست سفينته محملة من كل زوجين اثنين وحوته داجي الظلمات ترك الصخرة فعام في البحر، فلا يترك الغوص حتى يبلغ مجمع البحرين، و قد ترك البحر رخوا ورائه ، فحذار لمن يركب رخو البحر.

فجمع اللؤلؤ فن وجَلَد وخبرة، وليس كل اللؤلؤ سواء ، فلآلي ابن العربي ناصعة البياض و نورها مشع تذهب ببصر من يحاول فتح صدفتها ان لم يكن لديك بصيرة.

و لقد حَذُر من ركب رخو البحر وراء ابن العربي و ما ارعى أو ما اهتدى من ركب البحر، فقد اسلموا قلوبهم لعقولهم و ابن العربي سلم عقله لنور قلبه.

هم وهو كإبليس وآدم ، حينما أمر الله إبليس بالسجود لآدم ، فامتنع و قال "خلقتني من نار وخلقته من طين" و ما علم أن الطين اجتمعت فيه كل الأسرار ، وما علموا ، فلا يغرنك ما أصابك من نور، فقد كان إبليس ملك من الملائكة الكروبيون ، فأصابه الغرور  فنهره ربه و قال له  "اخرج منها إنك رجيم إلى يوم يبعثون".

فآه لابن آدم يبصر ولا يبصر ، ويسمع ولا يسمع ، حواسه حجب، و نوره ظلمات، و فراشه التراب، وتابوته الأرض، وقميصه الزاهي من صلصال من حمأ مسنون ، و شبابه فانٍ.

إن أصاب من العلم مقدار كفه خُيّل إليه أنه اغترف البحر، وأنا و أنتم  يا سادتي لم تمتلئ أكفنا  بعذب الماء ، فكل ما اغترفناه هو ملح أجاج لا يصلح للشرب فلن يزيدنا إلا عطشا. نبحث عن الماء، والماء المعين في كتاب ربنا القرآن الحكيم، إن شئت أن تغرف من نهرا من الكوثر و ينبوعا للحياة.

كانت لأبن العربي عند العبد الصالح الذي آتاه الله من لدنه علما، مولاه علي ابن ابي طالب عليه السلام حظوة ورفقة، فقد صب من ريق علمه إلى قلبه فوعاها، و له مع أستاذه جعفر بن محمد الصادق عليه السلام جلسات ، فجلس ابن العربي القرفصاء بين يديه مطأطئا له رأسه حانيا له هامته ، فرفعه الله حين أخذا بيده إلى أول مقامات العروج و صعد سلم سماواته (السماوات) فضاقت أنفاسه و شهق زفيره وزمجرت أوداجه ، فقد ركب مركبا صعبا لا يركبه إلا الأولياء و الأنبياء.

فتوسل مولاه جعفر فأجاره إلى ركوب السلالم فصعد من السلم درجة فزهقت روحه.

ثم استجار مولاه علي فردت إليه الروح وصعد من السلم درجه فزهقت روحه.

فعلم أن لا مجير له إلا الكامل المكمل حبيب الله خير البشر محمد بن عبدالله بن خير الأوصياء عبدالمطلب صلوات ربنا عليه و على المصطفين من أجداده فلم يجار لأنه لم يطرق الباب ولم يقرأ "و لسوف يعطيك ربك فترضى" و لم يقرأ "حم السجدة" و لم يقرأ  "كهيعص".

فرجع القهقرى و دعا ربه أن يشمله في عنايته ويخصه من الصلوات ومن السلام الذي خص به من قال فيه "وإنك لعلى خلق عظيم"، فعلم أن رضا الرب من رضا من كان رضاه قد احتوى الحب والعشق.

فدخل الحرم و طاف حول البيت العتيق بين الركن والمقام و توسد حجر اسماعيل و تعلق بأستار البيت تحت المرزام حتى أخذته الرحمة فغفت جفونه ورأى في المنام ملائكة الرحمن تعرج به سماء بعدها سماء وبعدها سماء إلى سماء سابعة ربنا.

فلم يجد إلا محمد صلى الله عليه وآله و سلم.

فنوره نور من نجم هوى فاستظل به.

مع تحياتي
اخوكم
رياض الشيخ باقر
٢٠١٥/٣/١٧

الثلاثاء، 16 ديسمبر 2014

العقاب الإلهي

أشارت السيدة العزيزة وجيهة الحويدر في خاطرة سابقة يعصرها الألم عن مفهوم  "العقاب الألهي" عند عامة الناس، ولحسرتها هذه ما يبررها.

فهذا الفهم هو من رواسب المنظومة السلفية التي تسلطت على الدين الاسلامي وفسرته مدّعية زورا وبهتانا أن منظورها للدين استقته من القرآن وسنة الرسول ص، وهو في أصله خوار وليس فكر. وذلك بسبب التعسف الذي مارسه المنهج السلفي (السني والشيعي) على القرآن حين سيجه بنصوص روائية ما أنزل الله بها من سلطان هي بعيدة كل البعد عن مقاصده، وأزاحته عن العقول واحتلت مكانه. وهذا يدعونا الى الإستدراك إلى حماية كتاب الله من النموذج المعرفي السلفي وسيطرة الفقهاء السلفيين الروائيين  والخروج من فهمهم القاصر لكتاب الله و احتكارهم له.

ونظرة السلفية لمفهوم العقاب الإلهي لا تخلو من كونه سيفا مسلطا من "القوي" على "الضعيف" وهذا المفهوم هو المسيطر على الديانات الوثنية القديمة التي جعلت لكل قوى الطبيعة تماثيل وأصنام وضعوها على الارض استجلابا لما في السماء واسترضاء لها، فعبدوها وعظموها، فكأنما العلاقة بين "الطين و الطيان" بين الخالق و المخلوق، هي علاقة صراع وحروب، الغالب فيها من يمتلك مواهب وقدرات إعجازية وأسطورية. وهذه الرؤية لهذه العلاقة المقدسة بقداسة الحب ظالمة لله. فهو الذي أحبنا فخلقنا كي نعرفه ونخلفه في كونه.

إن السلفية التي ابتكرت صراع متوهم غير متكافىء بين الله والإنسان، وجعلت من علاقة "الطين و الماء" مرتكزة عليه، عندها يسلط الله أقداره وملائكته المتمثلة بعوامل الطبيعة من ريح ومطر ونار وموت وغيرها، من "أدوات القهر" على العصاة  فيهزمهم و يبيدهم. فهي بذلك التفكير لا تعدو إلا سلفية مجرمة بحق الله وبحق البشر في نفس الوقت. فهاهم السلفيون قد ملؤوا الدنيا نعيقا بأن تسونامي ما هو إلا عقاباً جماعياً للبشرية، شبيه بالعقاب الذي حدث لقوم نوح. زاعمين أن كل ذلك السخط الإلهي يحدث نتيجة عدم انصياع البشر للشريعة وأحكامها التي بشر بها الانبياء. فمن الطبيعي أن يحل عليهم عقاب رباني خارق لنواميس الطبيعة، زاعمين أنه انتقام من الله لن ينجح الإنسان في النجاة والهروب منه. متناسين العلاقة الوثيقة بين الإنسان والطبيعة التي تثور إن جار الإنسان عليها و فرط في سخائها له.

فترسخ مفهوم المنتقم وشديد العقاب على صورة الإله بدلا من الرحمن والرحيم والغفور والودود والمنان والحنان. فأصبح الناس في ذعر وخوف من الله بدلا من الرجاء والأمل والحب. كل ذلك نتيجة الفكر السلفي الذي جعل من عوامل الطبيعة قوى مسلطة لمصلحة الله ومسخرة في انتصاره وانتقامه ضد من عصاه. هذا إضافة إلى ما ينتظر العصاة من عذاب القبر ثم عذاب جهنم الذي يصل إلى حد الخلود فيه.

فالإنسان -وفق السلفية- في رهبة دائمة وخوف ناتج عن اختلال توازن القوى لمصلحة "عدوه" الله. لأنه في حالة ضعف ولذا عليه الانصياع لأوامر الله وشرعه. ولا أدري كيف ساغ لهم أن يجعلوا من أنفسهم حاكمين على سنن الله وعلى خليفته. فأين هم من قوله تعالى "ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم" (النحل/١١٩). وقوله "إن الله كان تواباً رحيما". وقوله "إن الله غفور رحيم". وقوله "إنه لا يحب الظالمين" ( الشورى/ ٤٠). وقوله "من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد" ( فصلت/ ٤٦). وقوله "إن الله لا يظلم مثقال ذرة، وإن ثمّ حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما" ( النساء/ ٤٠).

إن حكمة وجود الإنسان على وجه هذا الكون كخليفة لله وفهم تاريخ العلاقة بين الخليفة والمستخلف وجدلية العلاقة بين الغيب والحس التي من أجلها سخر الله للإنسان جميع قوى الطبيعة لخدمته وإعانته في خلافته مغيبة عن الفكر السلفي. بل إن ما رسخه هذا الفكر طوال مئات السنين عبر القراءات الروائية الموروثة -التي لا تمس قدسيتها- هو مفهوم البلاء والانتقام. ولم يقرأوا ذلك ضمن السنن الكونية الحاكمة للكون والمنظمة له، وفسروا آيات القرآن الحكيم على ضوء الروايات التوراتية ولم يستضيئوا بنوره الرحيم والودود و الغفور. فمن أجل هذا الانسان دحا الله هذا الكون وبسطه بكل أسباب الحياة والرزق والسعادة، إذ هو ظله في أرضه.

مع تحياتي،
أخوكم
رياض الشيخ باقر

الجمعة، 12 ديسمبر 2014

اليهود في جزيرة العرب

قرأت للتو بحثاً منشوراً عن يهود صحار شرق اليمن (التابع لمملكة بني كندة في العصور الغابرة ما قبل الاسلام) أثار عندي الرغبة في كتابة ما استخلصته و باختصار من  قراءات عدة فيما يخص اليهود والبلاد التي استوطنوها وعلاقتهم بأبناء عمومتهم العرب من ولد اسماعيل في البلاد العربية، وذلك من خلال مراجعة نصيّة لفهم لغز رحلة عبورهم مع نبي الله موسى عليه السلام.

كما أود أن أخص بذلك قراءة النصوص الدينية التي جاءت مسطرة لهذا الحدث فيما روته التوراة وسطرته آيات القرآن الحكيم، وبعض المراجع والبحوث المفيدة والمختصة في إعادة قراءة النص الديني و تفكيكه.

وتوضيحاً لقصد معنى تفكيك النص الديني، سأضرب مثلا بسيطا على ذلك توضيحا للقصد المبتغى. فقد قال الله جل وعلا مخاطبا مريم عليها السلام عندما جاءها المخاض في ولادتها للمسيح عليه السلام  "هزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا فكلي واشربي وقري عينا". فبصريح الآية الكريمة إن الولادة  قد تمت في بلاد يكثر فيها زراعة النخيل وأن وقت الولادة هو فصل الصيف بعد أن أثمرت النخلة وتكوّن فيها الرطب وليس في فصل الشتاء ديسمبر (كانون الأول) كما هو يحتفل به الآن،  فما يرويه القرآن أصدق وأبلغ وهو الحجة وعليه المعتمد.

من هنا ننطلق في قراءة النص القرآني وتفكيكه بما يفيدنا في فهم مرحلة مصيرية وتكوينية لتاريخ اليهود عبر الغور في دلالة اللفظ القرآني زمانيا ومكانيا. كما أن من المفيد الإشارة هنا والإشادة بجهود المفكر الفرنسي بول ريكور (توفي عام ٢٠٠٦م) في إعادة قراءة النص الديني وأصول التأويل ومناهجه حيث قام بوضع بعض الأطر والأفكار فيما يتعلق بما هو تاريخي وما هو أسطوري وما هو خرافي والتمييز بينهم عبر تفكيك النص وإرجاعه إلى جذوره.

وعندما نتكلم عن التاريخ في النص الديني فإننا نخص النص القرآني كونه أكثر صدقا وحفظا من التوراة ولم تمسّه أيدي المحرفين والعابثين، وبالتالي نستطيع الحصول على حقائق تاريخية ليست أسطورية أو خرافية، كما يقول المؤرخ العظيم جواد علي في مفصله "تاريخ العرب قبل الاسلام"، حيث أن التوراة قد مستها أيادي التحريف وتلاعبت بها كيفما شاءت في قصص التراث الشعبي اليهودي "الأبوكرافية" التي أعيد فيها كتابة تراث اليهود بواسطة مروياتها مما هو خرافي وأسطوري شكّل تاريخ اليهود فيما بعد. و ذلك بما يتناسب مع مصالحهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية آنذاك. وقد تم ذلك في خلال المراحل التالي :
  1. كُتبت التوراة بعد رجوع اليهود من السبي البابلي بعد القرن الخامس قبل الميلاد.
  2. انتشار اليهود في بلاد العرب ( بلاد آل اسماعيل ) واستيطانهم فيها على يد حكام فارس "الأخمينيين".
  3. يوجد فارق كبير بين ما ترويه التوراة و ما يرويه القرآن وإن بدا في ظاهره واحدا.
  4. أكثر الأحداث التي ترويها التوراة، يعود تاريخها إلى ما بعد وفاة موسى وإلى ولادة المسيح عليهم السلام مما يؤكد عدم اطلاع موسى عليها فهي ليست الأصلية المنزلة عليه.
  5. لقد تم عبور نبي الله موسى عليه السلام بشعب اسرائيل من خلال  البحر وإن صدقنا ما جاءت به التوراة أن شعب إسرائيل استوطن شمال مصر (بلاد الدلتا)  وارتحل بشعب اسرائيل إلى البلاد المقدسة (فلسطين) أرض كنعان، فجغرافيا ذلك الزمان تكذبه حيث ان المسافة بين البلدين برية ولا يقطعها بحر، ولم تقطع بحريا الا بعد انشاء قناة السويس.
  6. مما لا شك فيه أن عبور بني إسرائيل تم بحريا (اضرب بعصاك البحر) وفي نقطة التقاء بحرين (حتى بلغ مجمع البحرين) وهذا ما نص عليه القرآن الكريم في عدة مواقع. وإن ادعاء البعض أن العبور تم في نقطة التقاء خليج العقبة وخليج السويس ما هو الا عجز و تجديف وتبرير لعدم معرفة الحقيقة. فكلا الخليجين جزء لا يتجزأ من بحر العرب (الاسم القديم والتاريخي للبحر الأحمر).
  7. إن الجذر اللغوي للغة العبرانية هو اللغة الآرامية ودخل عليها جذران آخران هما الجذر الحبشي والجذر الحميري فتشكلت اللغة العبرانية من ثلاث لغات، اللغة الآرامية (أصل اللغة العربية) واللغة الحبشية (القرن الأفريقي) و لغة الحميريين اليمنيين (العرب الجنوبيون).
  8. غضب بني اسرائيل على موسى عليه السلام عندما تزوج امرأة حبشية حيث استوطن بني اسرائيل القرن الأفريقي سنين التيه.
  9. إن هذا يفسر وجود قبائل الفلاشا اليهودية في كينيا، فهم بقايا المتخلفين من بني اسرائيل (أحفاد أحد الأسباط) عن رحلة العبور.
ونستخلص مما سبق أن موسى عليه السلام في رحلة خروجه من مصر ذهب ببني إسرائيل جنوباً إلى بلاد الحبشة وليس شرقاً. ثم عبروا شرقاً، وهذا تفسير كلمة مجمع البحرين من خلال عبورهم مضيق باب المندب نقطة التقاء البحرين، بحر العرب التاريخي (البحر الأحمر) وبحر السند (بحر العرب المعاصر والمحيط الهندي) ، كما يفسر الخليط اللغوي الذي تتكون منه اللغة العبرانية حيث تشبعت اللغة الآرامية (الجذر الأساس) ببعض الكلمات الحبشية ثم تشبعت ببعض الكلمات الحميرية وبالخصوص لهجة قبائل اللخميين (مثل بيت لخم) فتكون من هذا المجموع اللغة العبرانية الحالية، وهذا دليل قطعي آخر لا لبس فيه لمسار العبور لبني اسرائيل
وبالتالي تكون الممالك التي تعاقبت على بني اسرائيل منذ ترحالهم مع نبي الله موسى عليه السلام حوالي عام ١٥٠٠ قبل الميلاد إلى عام ٦٠٠ قبل الميلاد (تسعمائة سنة) كانت جميعها في جنوب غرب جزيرة العرب بما فيها مملكة نبي الله داوود وسليمان عليهما السلام.

و حيث أن السبي البابلي لليهود بعد إجلائهم من بقايا ممالكهم عقابا لهم لكثرة قتلهم أنبيائهم استمر قرابة المائة عام من بعد انهيار ممالك بني اسرائيل إلى وقت توافقت مصالح الامبراطورية الفارسية (الأخمينيين) التي احتلت الدولة البابلية آنذاك، تطلب نشر سبايا اليهود بعد عتقهم من السبي البابلي في أرض آل اسماعيل (مملكة النبط) التي امتدت من غرب الفرات إلى البحر الأبيض شرقا وإلى مكة جنوبا ، وقد تمركز قلة من اليهود في تلال فلسطين (يهودا والسامرة) وفي خيبر ويثرب (المدينة المنورة) بالإضافة إلى ما تبقى منهم في اليمن وبالخصوص في صنعاء. وقد اشتبه المؤرخون عندما ظنوا أن أماكان رجوع اليهود واستيطانهم فيها بعد السبي هي موطنهم الأصلي قبله. ومن هنا وقع الالتباس في تحديد زمن استيطانهم أراضي اهل كنعان (فلسطين) التي استوطنها قلة من اليهود في أطراف براريها بعد السبي، ولم تطأها أقدامهم قبله.

و يأتي هذا الاشتباه من الخلط بين رحلة موسى عليه السلام إلى أرض مدين ومروره بأرض سيناء قبل البعثة وخلال تلقيه الوحي في "الوادي المقدس طوى" التي سبقت العبور زمانا. فتم الخلط بين الأمكنة والأزمنة، وساعد في ذلك أساطير التوراة ومزاعم اليهود في أرض فلسطين.

لذلك فإن ادعاء بني إسرائيل في فلسطين كأرض مقدسة وعدهم الله بها هو محض افتراء وكذبة كبرى. لذلك لم يجدوا هيكل سليمان المزعوم و لن يجدوه تحت قبة الصخرة.

مع تحياتي
رياض الشيخ باقر
١٢/١٢/٢٠١٤

الأحد، 2 نوفمبر 2014

الشيخ إسماعيل المشاجرة: الذكاء العاطفي -مأتم النمر، الليلة الثامنة من المحرم، موسم 1436هـ


بعد أن عرج الشيخ إسماعيل المشاجرة إلى مصاب كربلاء وذكر بطل من أبطالها الشباب علي الأكبر بن الإمام الحسين سلام الله عليهما، استهل محاضرته بحديث للإمام زين العابدين سلام الله عليه "ما تجرعت جرعة أحب إلي من جرعة حلم عند الغضب".
ومن الجدليات التي تثار عند الكتاب و المفكرين هي جدلية: ماذا ينتظر الناس من الدين؟

==مقدمة واستفتاح==
وتسائل الشيخ، بما أن الناس تنتظر من الدين أن يضع بين أيديهم مجموعة من القوانين التي تمضي بهم نحو السعادة، وتقدم لهم أطروحة وفلسفة عامة للحياة ونظرة شمولية لها لتتعمق رابطتهم مع الله وعلاقتهم به بما عرفوه من  أنبيائه وأوليائه، فما هي طبيعة هذه العلوم والمعارف التي يأخذ الشارع المقدس على نفسه أن يقدمها؟

وهل وظيفة الدين هي الإتيان بالمعارف الطبيعية الدنوية؟ كمعرفة علوم الفلك والفيزياء والكيمياء، من أجل تكامل البشرية وطموحها لهذه المعارف؟ وقد خلص الشيخ إلى أن الدين ليس مسؤولاً عن الإتيان بمثل هذه المعارف، رغم أنه أشار إليها بإشارات عميقة متفرقة في النص القرآني. إلا أنه لا يقدّم بديلاً عن جهد الإنسان للوصول إليها.

لا شك أن الدين قدم نوع آخر من العلوم والمعارف على النوع السابق. فهو لم يهمل العلوم الاجتماعية والاقتصادية، لما لها من مساس مباشر في بناء القادة. وهو كذلك يقدم الرؤى والمعارف العقائدية، الدالة على توحيد الله وتوحيد ربوبيته ويؤكد على عقيدة العدل والمعاد. ويقدم للإنسان النظام الذي من خلاله يتواصل مع الله. وهذه العلوم، لا شك أنها تُممت بالمعارف السلوكية والتربوية والأخلاقية التي تصدى لها الدين الاسلامي لأهميتها و خطورتها على تابعيه.

وأشار الشيخ إلى أن النبي والأئمة سلام الله عليهم أجمعين لم يبخلوا على الناس في حال مبادرتهم بالسؤال، بأن يعلمونهم ويدلونهم على مفاتيح العلوم من خلال الأسرار التي أطلعهم الله عليها.

وبالعودة إلى حديث الإمام زين العابدين عليه السلام، فإن مناسبة الاستشهاد بهذا الحديث هو ما لأهمية العملية التربوية التي أولاها الدين اهتماماً خاصاً. ومن باب المعارف التربوية تناول الشيخ بحث مهم جداً هو الذكاء العاطفي. وذكر أن هذا البحث يتمحور حول ثلاثة محاور هي:
- تعريف الذكاء العاطفي ونشأته
- مقوماته وتطبيقاته
-تطوراته

==المحور الأول==
===معناه===
يعرف بتعريفات متعدد أهمها الذكاء باستعمال العاطفة. وتعريف آخر هو فرز العواطف و توظيفها توظيفا صحيحا للوصول الى أهداف معينة.

===نشأته===
نشأ في تسعينيات القرن الماضي وهو الرأي الغالب. ومنهم من قال أنه نشأ مع تنظيرات دارون النفسية وغيرهم من علماء النفس والاجتماع في بداية القرن العشرين. وهناك من أرجعه إلى جذور موغلة في القدم من عصر أرسطو حيث أشار إلى خصائص الذكاء العاطفي في فلسفته وخطبه، ومن أبرزها قوله "يقول من السهل على الانسان ان يغضب لكن من الصعب ان يتحكم في غضبه" وهو رأي غير مشهور. والأولى الأخذ بمقولة الامام علي: "الغضب أوله جنون و اخره ندم".

==المحور الثاني==
===مقوماته ومستوياته===
١-أن يصبح الإنسان مدرك لعواطفه ويشعر بها ويلتقطها و يتفاعل معها ويكون واعياً لوقوعه فيها، مقتدراً على الإمساك بجماحها.

٢- أن يمسك بانفعالاته وأن تكون عنده القدرة على التحكم بها وتوجيها و تسييرها لما فيه الصالح العام (نحو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر). قال صلى الله عليه وآله: "أعظم الملوك من ملك غضبه"

٣- النجاح في توظيف هذه العاطفة و توجيهها الاتجاه المناسب و توظيفها التوظيف المناسب بما يعود بالفائدة عليه وعلى غيره.

٤- أن يصبح عند الانسان القدرة على الإحساس  بمشاعر الآخرين ويتحسس مشاعرهم.

٥- توظيف عواطف الآخرين في خدمة قضايا أكبر من الفرد. كخدمة المجتمع والمشاريع الخاصة والعامة.

===مثال نموذجي من التراث===
يذكر أنه في عهد هارون العباسي طلبت زوجته زبيدة أن يكون لها إدارة القصر. فدخل عليهم صياد يحمل سمكة كبيرة أعجب بها هارون. فسأله لمن هي. فاغتنم الصياد الذكي هذه الفرصة بعد أن قرأ على وجه هارون علامات طلب السمكة وقال: هي للأمير. فاستحسن هارون منه ذلك وأمر له بـ ٤٠٠٠ درهم.
فغضبت زبيدة لهذا الفعل بعد أن أقر لها هارون التصرف بشؤون القصر وحاجّته على ذلك، فأبى هارون، ذلك أنّ ردّ الهبة ليست من شيم الملوك. فأشارت له بحيلة يحتالها على الصياد، يرد بها النقود. فأوحت له أن: إسأل الصياد ما هو جنس السمكة؟ فإن قال ذكر فقل له: أنا لا أحب غير إناث السمك؟ وإن قال العكس فقل العكس. فأمر بالصياد وقال له ذلك. إلا أن الصياد بذكاءه العاطفي وقدرته على تنبؤ غاية هارون رد عليه بأن السمكة لا هذا ولا ذاك، هي خنثى. فاستحسن هارون رده وأمر له بـ 4000 أخرى.
فاستشاطت زبيدة غضباً ولاحظت أن الصياد أسقط من يده درهماً فما أبى أن ينحني له ويلتقطه. فرأت زبيدة في ذلك فرصةً لتعيير الصياد بالجشع وردّ الهبتين.
فما كان من الصياد إلا أن ردّ بأن هذا الدرهم يحمل نقش اسم الخليفة فانحنى ليلتقط الدرهم حفظاً لمقام اسم الخليفة أن يداس تحت الأحذية. فسرت أسارير هارون وأعجب بفطنة الصياد وأمر له بـ4000 أخرى.

===أهم تطبيقاته===
أشار الشيخ إلى أن تطبيقات الذكاء العاطفي كثيرة وهي خصلة من خصال القادة العظام. إلا أن أهم تطبيقاته هي ما يلي:
١- بناء الحياة الزوجية: استثمار الذكاء العاطفي في بناء العلاقة الزوجية الصلبة. وتكمن أهمية هذا التطبيق في ارتفاع نسب الطلاق في البلاد حتى قاربت 40٪ من حالات الزواج. ونصف حالات الطلاق أسبابه تعود للغباء العاطفي. ويجب أن تستغل فترة بداية الحياة الزوجية التي تتميز بالتهاب العواطف بين الطرفين، للاتفاق وأخذ الوعود المتبادلة للتعاون على مستقبل الأيام وما تحمله من تحديات لحفظ الزواج، لا سيما بعد برود العاطفة. والعاطفة بجميع أنواعها من طبعها أنها فوارة ثم تخفت.

2- حل الخلافات الزوجية والأخوية: تبادل اللوم بين المتحابين في حال الاختلاف لا يعتبر من الذكاء العاطفي. والأجدر للشخص أن يعذر الطرف الآخر ويلقي باللائمة على نفسه مبادرةً  وتواضعاً. ونتيجة ذلك تلقائياً هي أن يعذره الطرف الآخر ويرجع بالسبب لنفسه أيضاً. فتحل المشكلة من حيث بدأت ويعود المتحابين لألفتهم. والوظيفة المهمة هنا هي تحويل عاطفة الحب إلى مبادئ أخلاقية عبر تحويل الحب الى مودة ورحمة.

٣- ظاهرة النقد المفرط: وهنا أشار الشيخ إلى مرض عند بعض الأشخاص الذين لا يتحملون رؤية عمل العاملين إلا بأن يكيلوا عليهم مكاييل النقد اللاذع. ومن مقتضيات هذا المرض أن هؤلاء الأشخاص لا يرون إلا العيب. والحق أنهم مصابون بمرض التفرد، بتركيزهم على سلبيات الغير وكأنهم وحدهم الذين يخلون من العيوب.
وهذه ليست دعوة إلى إلغاء النقد بين الناس مع ما فيه من فوائد. إلا أن الذكاء العاطفي يقتضي أن يمرر المرء نقده بحساسية وذكاء، بما يسمى بتمرير النقد بين ثنائين. وفيه يتم ذكر مجموعتين من الإيجابيات و الثناءات والحسنات ثم يأتي على ذكر النقد المبطن بين طرفي الثناء. وبذلك يجد المنتقد نفسه يقبل بالنقد عن طيب نفس لما تقدّمه وتبعه من ثناء.

==المحور الثالث==
===تطوير الذكاء العاطفي===
يقول الشيخ أن بإمكاننا  تطوير الذكاء العاطفي من خلال إسقاطها على القضايا التاريخية ومن أبرزها دراسة تاريخ فرقة الإمامية الشيعية وسيرة عظمائها. فمن خلال سير الأئمة تبرز تعاليمهم وخصائصهم في حفظ وجود هذه الفرقة و كيانها و تحقيق أهدافها الكبرى. ومن أهم التعاليم التي تصنف بالذكاء العاطفي هي:
١- التقية التي أكد عليه أئمة أهل البيت للتحكم في عواطفهم، وخصوصاً إذا كان الغير لا يبدي الاستعداد لكبح عاطفة الكره نحوهم بمصادرة وجودهم. فالتقية من أبرز عوامل السلم الاجتماعي في المجتمع المتشدد الرافض للمتقي.
٢- بيان ظلامة أهل البيت هو توظيف عاطفي. وهذا التوظيف يجب أن يكون متوازن حسب ما وجهنا إليه الأئمة. فالإمام الصادق كما كان يؤكد على مظلومية الامام الحسين فهو أكد على مبادئه، سلام الله عليهما.

والسؤال الجوهري هو هل يستخدم شيعة اليوم الذكاء العاطفي المتوازن في طرحهم، كما كان الإمام الحسين يوم العاشر من المحرم مع أصحابه وأعدائه؟

لحضور المحاضرة كاملةً على اليوتيوب:
 http://youtu.be/IN5J92kx3CU?t=9m9s


مع تحيات معدَّيه،

تلخيص وإعداد: رياض الشيخ باقر،
كتابة وتحرير: المختار الشيخ موسى،

السبت، 1 نوفمبر 2014

خطبة الشيخ الدكتور اسماعيل المشاجرة لليلة الثامنة في مأتم النمر لمحرم عام ١٤٣٦هجرية

بعد مقدمة نعى فيها الشيخ القاسم بن الحسن عليهما السلام، استهل سماحته محاضرته بالآية الكريمة "أولم يرى الذين كفروا ان السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما، و جعلنا من الماء كل شيء حي، أفلا يؤمنون".

وقد أمتعنا الشيخ المشاجرة الليلة بالتفكر في عظمة خلق الله والتحير في الروائع الدالة عليه.
وهي محاضرة علمية بامتياز قام الشيخ بتفصل اركانها و بسط محتوياته ، حيث سرد  وبتسلسل سلس و دقيق وباختصار غير مخل،  بعض نظريات خلق الكون، وكيف أن بعض علماء الفيزياء الذين أرادوا اكتشاف هذه العلوم استغلوا علمهم المادي الطبيعي هذا كباب لإثارة المغالطات الفلسفية والعقلية والعقدية بإنكار (العلة الاولى) وأثر الخالق في خلقه، وما لهذه النظريات في انتشار "ظاهرة الألحاد".

وقد استعرض بعد الآية الكريمة الإحصاءات التي تشير إلى ظاهرة الإلحاد التي وصلت في المملكة إلى ٦٪ و إحصاءات أخرى تقول ١٠٪، و أرجع  ذلك إلى أطروحة نشطة رُوج للإلحاد من خلالها، قد طُرحت في  كتاب ألفه العالم الفيزيائي الكبير ستيفن هوكنغ، و تدور فكرته حول الخلق و التكوين و يحمل اسم "التصميم العظيم - The Grand Design"، والذي حاول كاتبه إثبات أن العالم ليس بحاجة إلى خالق. وتدور فصول الكتاب جميعاً حول نمطين من الحديث أحدهما فلسفي والآخر فيزيائي.

وقد حاول الكاتب إلغاء مباحث الفلسفة للتدليل على أكتشاف الكون ومعرفة تكوينه التي لا يجيب عليها إلا علم الفيزياء ونظرياته واستنج أن الكون والموجودات عامة  ليست بحاجة إلى خالق وأن الكون مخلوق من العدم بالصدفة وقد فصل الكاتب نظريته في مراحل عبر فصول  الكتاب على النحو التالي :

١- ظاهرة توسع الكون التي جاء بها العالم أدون هابل، وظاهرة الانزياح الأحمر، التي ساعدت على استنتاج أن الكواكب في حالة تباعد وأن الكون في حالة اتساع مستمر.
٢- ربط العلماء بين اكتشاف هابل ونظرية الانفجار العظيم - Big Bang.
٣- لاحظ العلماء أن الانفجار العظيم نشأ عن نقطة صغيرة (تسمى النقطة الأحادية-singularity point) نشأ عنها انفجار مهول رافقه وتلاه تضخم لمادة الكون الناشئة من هذه النقطة. وقد حصل ذلك بسرعة تفوق لمح البصر.
٤- إن نشأة الكون من نقطة متناهية الصغر يقتضي معرفة ودراسة الجسيمات الصغيرة. ومن هذه الدراسة ظهرت تجربة تعنى بدراسة حركة الجزيئات الصغيرة، وهي تجربة الشق المزدوج (مستخدمين فيها ذرات الكربون المشعة) . ونتيجة لهذه التجربة، استنتج العلماء أن الجسيمات الصغيرة تتبدل، والنتيجة الثانية  أن الجسيم الصغير الواحد يتواجد في أكثر من مكان واحد (مليارات الأماكن في آن واحد).
5-  أنه يستحيل دراسة الجسيم الصغير الواحد، وهذا القول يعود الى أنشتاين،  حيث لا يوجد شخص قادر على حصر تحركات الجسيم.
6-  من خلال ما سبق من استنتاجات لتلك النظريات، توصل هوكنغ إلى مبدأ عدم اليقين، الذي نادى به العالم هايزنبرج. واستحالة إمكان وضع قانون يصف حركة الجسيمات.

7- من خلال إسقاط سلوك الجسيمات الصغيرة التي لوحظت في تجربة الشق المزدوج، فقد خرج العلمات بنظرية في غاية الخطورة، وهي أن خلق أكوان لا نهائية ناشئة عن النقطة الأحادية، على غرار الجسيم الذي يبدأ من نقطة وينتهي إلى عدد لا حصر له من الأماكن. وقد عرفت هذه بنظرية الأكوان البديلة.
٧- ستيفن هوكنجغ يقول بنظرية الانفجار العظيم ونشوء مليارات الأكوان لكنه يقول بفسدانها لعدم توفر الظروف الفيزيائية المؤاتية. ولم يبق من تلك الأكوان إلا كوننا فقط، الذي هيأت له الصدفة الظروف المطلوبة.

واستخلص من تلك النظريات السابقة ثلاث نتائج :
١- نظرية الأكوان المتعددة وسائر النظريات الأخرى نستطيع أن نجمعها ونعبر عنها باسم نظرية (إم). وباستخدام نطرية إم فإننا لسنا بحاجة إلى خالق لتفسير خلق الكون. لأن نظرية إم هي التي تقوم بعملها.
٢- الكون هو ليس جسيم بل فراغ أي تكون من العدم.
٣- نشوء وبقاء كوننا اعتمد على الصدفة.

مناقشة النظرية :
١- القانون العلمي، هل هو الذي يوجد الظاهرة أم لا يتعدى حاله في وصف الظاهرة؟ والجواب هو أن القانون يصف الظاهرة فقط ولم يوجدها. والدليل أن جهلنا بهذا القانون لا يبطل أثره.فالأرض تدور حول الشمس بقوانين دقيقة، وجهلنا بهذا القانون لا يبطلها.
٢- نظرية العدم لا يقبله العقل ففاقد الشيء لا يعطية، فالعدم فاقد الوجود فليس بإمكانه إيجاد الوجود. فهل العدم ينشئ العدم، و هل  العدم هو الفراغ الذي ينشئ عنه ( طاقة الفراغ ) الذي ينشئ رغوة الزمكان (أو ما يعبر عنه أيضاً بالمتَّصَل الزمكاني).
٣- الكون بقي نتيجة الصدفة، فالصدفة إما معقولة أو غير معقوله ، والإيمان بالصدفة هو انهيار تام لكل القوانين والأنظمة. والغريب أن هوكنجغ يتكلم عن دقة الكون (ويضرب بذلك مثال المسار الاهليجي) ويصف دقته وهذه الدقة هي التي حفظت الأجرام الفلكية ومجموعاتها ولكنه يرجع بالرغم من الوصف الدقيق لكل العناصر الموجودة في الكون للصدفة. وضرب الشيخ مثلا على بطلان الصدفة التي ارتكز عليها هوكنجغ ، بمثال ضربه أحد العلماء ، عندما قال "هل الصدفة سوف تجعل من رجل على بعد (١٤ ) اربعة عشر مليار سنة ضوئية من على الضفة الاخرى للكون، إذا رمى سهما على هدف، هل يصيبه؟" ولا يوجد من يقبل هذا.

واستخلص الشيخ بأنه لا بد من قدرة إلهية تتحكم في حركة الجزيئيات التي تكون منها هذا الكون. إن هذه النظريات على عكس ما أراد منها اصحابها فهي تؤيد وجود القدرة والأيدي الإلهية التي توجد وتنظم وتوجه وتجعل في الأشياء خواصها، وهي قدرة واحدة عظيمة ، جاء الرسل يؤكدون على وجودها وبأنها أصل لوجود الكون وكل الموجودات، ويتمثل ذلك في مبدأ التوحيد الذي بذلوا فيه مهجهم و مهج احبابهم.

شكراً للشيخ  على طرحه للموضوع بشكل يستطيع الجميع فهمه واستيعابه. بالرغم من القول بأن الموضوع نخبوي  بأمتياز، وهو ليس لمن  لا اطلاع لديه على تلك العلوم أو ليس عنده متابعة بما يدور في الساحة، فهو  لن يراه ذا أهمية ولكنه مهم جداً للنظر لما يدور في ساحتنا، و لمواجهة التحديات المطروحة فيها.

لم يسعف الوقت محاضرنا في عرض هذه النظريات على القرآن الكريم و ما روي من سنة النبي وأهل بيته
كما أنه لم يعرضها على أقوال الفلاسفة وعلماء العرفان الاسلامي.

لحضور المحاضرة كاملةً على اليوتيوب:
http://www.youtube.com/watch?v=nUA7bOqR35g


إعداد وتلخيص: رياض الشيخ باقر
ضبط وتحرير: المختار الشيخ موسى